أحمد بن علي القلقشندي
191
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
نحمده على نعمه الَّتي عم فضلها ، ومدّ على أولياء الدولة القاهرة ظلَّها ، ونشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له شهادة تزلف لديه ، وتسلف ما يجده المتمسّك بها يوم العرض عليه ، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله أشرف من بعث إلى الأمم كافّة ، وأكرم من غدت أملاك النّصر آيته حافّة ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين حازوا بصحبته الشّرف ، وفازوا بطاعة اللَّه وطاعته من الجنان بغرف من فوقها غرف . وبعد ، فإنّ أولى ما عدق بالأكفاء ، وأحقّ ما صرف إليه وجه الاعتناء ، وأجدر ما أوقظ له طرف كاف لا يلمّ بالإغفاء - أمر الجيوش المنصورة بطرابلس المحروسة الَّتي لا ينهض بأعباء مصالحها إلا من عرف بالسّداد في قلمه وكلمه ، وألف منه حسن التصرّف فيما يبديه من نزاهته ويظهره من هممه ، بخبرة مؤكَّدة ، وآراء مسدّدة ، ومعرفة أوضاع ترتيبها وأحوالها ، وقواعد مقدّميها وأبطالها ، وكفاية تفتح رحاب حالها . ولما كان فلان هو الصّدر المليّ بوافي الضّبط ووافر الاهتمام ، والكافي الذي نطقت بكفايته ألسنة الخرصان ( 1 ) وأفواه الأقلام ، والضّابط الَّذي لا يعجز فهمه عن إحاطة العلم بذوي الآلام . فلذلك رسم بالأمر الشّريف - لا زال يقدم للمراتب ، كافيا مشكورا ، ويرشّح للمناصب ، صدرا أضحى بالأمانة مشهورا - أن يفوّض إليه كذا : لأنّه الصّدر الَّذي تزاحمت ألسنة الثّناء عليه ، وترادفت بين أيدينا محامده فقرّرنا العوارف لديه ، وشكرت عندنا هممه في سداد كلّ ما يباشره ، وذكرت لدينا بالخير سيرته وسرائره . فليباشر هذه الوظيفة الجليلة متحلَّيا بين الأنام بعقودها ، مطلعا شمس نزاهته في فلك سعودها ، ناهضا بأعباء منصبه السعيد ، ضابطا قواعده بكلّ
--> ( 1 ) الخرصان : الرماح .